حبيب الله الهاشمي الخوئي
151
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
أمير المؤمنين عليه السّلام يقول : ليجتمع في قلبك الافتقار إلى النّاس والاستغناء عنهم ، فيكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحسن بشرك ، ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزّك . ( غائبا منكره حاضراً معروفه ) أي مفقودا أعماله القبيحة المحرّمة موجودا أعماله الحسنة المتضمّنة للرّجحان الشرعي من الواجبات والمندوبات . ( مقبلا خيره مدبرا شرّه ) يعنى أنّه من الأخيار كثير الخير قليل الشرّ كما وصفه سابقا بقوله : الخير منه مأمول والشرّ منه مأمون . ومحصّل معناه أنّ خيره في إقبال يزيد شيئا فشيئا وشرّه في إدبار ينقص شيئا فشيئا إذ بقدر الزيادة في طلب الخير يحصل النّقيصة في جانب الشرّ لأنّ كثرة أحد المتضادّين توجب بمقتضى التضّاد قلَّة الاخر كما هو ظاهر . ( في الزّلازل وقور ) يعني أنّه في النوازل والشّدايد والحوادث العظيمة الموجبة لاضطراب النّاس متّصف بشدّة الوقار والرّزانة والسّكينة والثّبات كالجبل لا تحرّكه العواصف ، والوقار من جنود العقل ويقابله الخفّة وهي الطيش والعجلة من جنود الجهل . ( وفي المكاره صبور وفي الرّخاء شكور ) لأنّ الايمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر كما في الحديث المرفوع في احياء العلوم عن النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم والمتّقي بما له من وصف التّقوى والايمان قد أكمل بأخذهما كلا شطرى الايمان . وإنّما كانا نصف الايمان لأنّ الايمان الكامل حسبما عرفت فيما تقدّم هو ما تضمّن العلم والعمل ، وكلّ ما يلاقيه العبد من الأعمال ينقسم إلى ما ينفعه في الدّنيا والآخرة وإلى ما يضرّه فيهما ، وله بالإضافة إلى ما يضرّه ويكرهه طبعه حال الصبر وبالإضافة إلى ما ينفعه حال الشكر . ( لا يحيف على من يبغض ) أي لا يظلمه مع قوّة الدّاعي إلى الحيف وهو البغض والعداوة ( ولا يأثم فيمن يحبّ ) مع قيام الدّاعي إلى الاثم وهو المحبّة . ومحصّل هاتين الفقرتين أنّه لا يخرجه الحبّ والبغض عن تكليفه الشرعي